رئيس الوزراء الفرنسي المستقيل يُكلّف بمهمة “الفرصة الأخيرة” وسط أزمة سياسية غير مسبوقة
باريس – منصة حكماء العالم
في تطوّر يعكس عمق المأزق السياسي الذي تعيشه فرنسا، كلّف الرئيس إيمانويل ماكرون رئيس الوزراء المستقيل سيباستيان لوكورنو بمهمة “الفرصة الأخيرة” لإيجاد مخرج من الانسداد الحكومي، بعد أقل من يوم على انهيار الحكومة الجديدة واستقالتها، في مشهد غير مسبوق منذ تأسيس الجمهورية الخامسة عام 1958.
وقالت الرئاسة الفرنسية إن ماكرون طلب من لوكورنو، الذي لا يزال يتولى تصريف الأعمال، إجراء مفاوضات أخيرة بحلول الأربعاء المقبل، بهدف “تحديد إطار للتحرك وإرساء حد أدنى من الاستقرار في البلاد”.
وفي منشور له عبر منصة “إكس”، أكد لوكورنو أنه سيُطلع الرئيس مساء الأربعاء على نتائج مهمته، مضيفًا: “سأقول لرئيس الدولة ما إذا كان ذلك ممكنًا أم لا، ليتمكن من استخلاص العبر اللازمة”.
أزمة ائتلافات وتوازنات هشة
ويبدأ لوكورنو اعتبارًا من صباح الثلاثاء جولة مباحثات جديدة مع زعماء المعسكر الرئاسي وحزب الجمهوريين اليميني، الذي لعب دورًا حاسمًا في انهيار الحكومة بعد ساعات من إعلانها. وتتمحور الجهود حول ترميم الائتلاف الهش الذي لم يصمد أمام الخلافات السياسية والتجاذبات الحزبية.
وتعود أحد أبرز أسباب الانفجار الحكومي إلى عودة برونو لومير المفاجئة إلى الحكومة وتعيينه وزيرًا للجيوش، بعد أن شغل منصب وزير الاقتصاد بين 2017 و2024. ويمثل لومير، المنشق عن حزب الجمهوريين، بالنسبة لليمين رمزا لـ”التجاوزات المالية” في عهد ماكرون، ما أثار رفضًا واسعًا في صفوف الحزب وأدى إلى انهيار التفاهمات.
وبينما أشار مقربون من ماكرون إلى أن الرئيس “سيتحمل مسؤولياته كاملة” في حال فشل المفاوضات، لمّحوا إلى أن حلّ الجمعية الوطنية بات مطروحًا بقوة، كما حدث في يونيو/حزيران 2024، حين لجأ ماكرون إلى انتخابات تشريعية مبكرة عقب صعود اليمين المتطرف في الانتخابات الأوروبية، ما أسفر عن برلمان مشرذم تتقاسمه ثلاث كتل متخاصمة دون أي أغلبية واضحة.
أقصر ولاية في تاريخ الجمهورية الخامسة
جاءت استقالة لوكورنو بعد 14 ساعة فقط من إعلان الحكومة الجديدة، ليصبح بذلك رئيس الوزراء صاحب أقصر فترة في المنصب منذ قيام الجمهورية الخامسة. وكانت حكومته الثالثة خلال عام واحد، وقدّم استقالته بعد 27 يومًا من تعيينه، معتبرًا أن “الظروف لم تكن متوفرة” للاستمرار، ومنددًا بـ”المطامع الحزبية” التي أحبطت مشروعه، في إشارة إلى زعيم الجمهوريين برونو روتايو الذي تراجع عن دعمه للحكومة في اللحظات الأخيرة.
وقال لوكورنو إن “الأحزاب السياسية ما زالت تتصرف كما لو كانت تملك أغلبية مطلقة في الجمعية الوطنية”، رغم إعلانه استعداده لـ”تسويات مؤلمة”.
سيناريوهات مفتوحة: حلّ البرلمان، حكومة تقنية أو استقالة الرئيس
ومع تعمق الأزمة السياسية منذ قرار ماكرون حلّ الجمعية الوطنية في 2024، تتقلص خيارات الرئيس الفرنسي الذي يواجه ضغوطًا متزايدة من مختلف الأطراف. وتشمل السيناريوهات المطروحة:
حلّ البرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدة، كما يطالب حزب “التجمّع الوطني” اليميني المتطرف الذي اعتبر أن الحلّ “ضرورة مطلقة” وأن “استقالة ماكرون هي القرار الحكيم الوحيد”.
استقالة الرئيس نفسه، وهو مطلب “فرنسا الأبيّة” بزعامة جان لوك ميلانشون، الذي دعا إلى التصويت فورًا على مذكرة لإقالة ماكرون موقّعة من نواب يساريين وخضر وشيوعيين.
تعيين رئيس وزراء من اليسار أو شخصية توافقية بلا انتماء حزبي على رأس “حكومة تقنية”، كما تطالب كتل اليسار والخضر والاشتراكيين.
في المقابل، شدّد حزب الجمهوريين على أنه لن يؤيد “أي رئيس وزراء يساري”، فيما رأت زعيمة كتلة “فرنسا الأبيّة” ماتيلد بانو أن “عهد الماكرونية لا نهاية له. فليرحلوا جميعًا!”، ووصفت زعيمة الخضر مارين توندولييه المشهد السياسي بأنه “قيد الانهيار ويتمسك بصخرة نجاة”.
أزمة سياسية تتقاطع مع مأزق اقتصادي
ويأتي الانسداد السياسي في وقت تعاني فيه فرنسا من أزمة مالية خانقة، إذ بلغت ديونها 3400 مليار يورو، أي ما يعادل 115.6% من الناتج المحلي الإجمالي. وقد انعكست التطورات الأخيرة سريعًا على الاقتصاد، حيث تراجع مؤشر “كاك-40” في بورصة باريس، وارتفع العائد على السندات الحكومية لعشر سنوات، واتسع الفارق مع نظيرتها الألمانية، كما هبط سعر اليورو وأسهم المصارف الفرنسية عقب إعلان الاستقالة.
أوروبا تراقب عن كثب
يتابع الاتحاد الأوروبي التطورات الفرنسية بدقة نظرًا لثقل باريس في المنظومة الأوروبية. وأكد المتحدث باسم الحكومة الألمانية شتيفان كورنيليوس أن “استقرار فرنسا عامل مهم لأوروبا”، في إشارة إلى القلق الأوروبي من تداعيات الأزمة على توازنات الاتحاد في لحظة دولية شديدة التعقيد.
فرنسا على مفترق طرق
تكشف التطورات الأخيرة أن فرنسا تقف أمام مفترق طرق تاريخي: فإما أن تنجح مفاوضات “الفرصة الأخيرة” التي يقودها لوكورنو في إعادة بناء توافق سياسي يسمح بولادة حكومة قادرة على إدارة المرحلة، أو أن تنزلق البلاد إلى أزمة مؤسساتية مفتوحة قد تغيّر معالم النظام السياسي نفسه، وتعيد رسم موازين القوى في قلب أوروبا.
تحليل حكماء العالم:
تكليف لوكورنو بمهمة “الفرصة الأخيرة” لا يقتصر على محاولة تشكيل حكومة جديدة، بل يعكس رهان ماكرون الأخير على بقاء النظام السياسي الفرنسي متماسكًا وسط تصاعد الشعبوية وتراجع الثقة في المؤسسات. ومع انقسام البرلمان وتآكل التحالفات، قد يكون الفشل هذه المرة بداية مرحلة سياسية جديدة عنوانها “ما بعد الماكرونية”.
تغريدات
1 - فرنسا أمام “الفرصة الأخيرة”: الرئيس إيمانويل ماكرون يكلّف رئيس الوزراء المستقيل سيباستيان لوكورنو بمهمة عاجلة لإيجاد مخرج من أخطر أزمة سياسية منذ تأسيس الجمهورية الخامسة عام 1958.
#فرنسا #لوكورنو #ماكرون
#حكماء_العالم
2 - بعد 14 ساعة فقط من إعلان الحكومة الجديدة، قدّم لوكورنو استقالته ليصبح صاحب أقصر ولاية في تاريخ الجمهورية الخامسة.
ماكرون طلب منه مواصلة مهامه كرئيس لتصريف الأعمال وبدء “مفاوضات أخيرة” بحلول الأربعاء لإعادة الاستقرار السياسي.
3 - الأزمة تفجّرت بسبب هشاشة الائتلاف بين المعسكر الرئاسي وحزب الجمهوريين، وتصاعد الخلاف بعد عودة برونو لومير للحكومة وزيرًا للجيوش، وهو رمز مثير للجدل لدى اليمين بسبب السياسات المالية في عهد ماكرون.
#أزمة_فرنسا
4 - لوكورنو سيجري محادثات مكثفة مع زعماء الأحزاب في محاولة أخيرة لإحياء التوافق. لكنه أوضح أنه سيبلغ الرئيس الأربعاء بما إذا كان الحل ممكنًا “أو أن الطريق مسدود تمامًا”.
#حكماء_العالم
5 - السيناريوهات أمام ماكرون محدودة وصعبة: حلّ الجمعية الوطنية والدعوة لانتخابات جديدة، تعيين حكومة تقنية بلا انتماء حزبي.، اختيار رئيس وزراء من اليسار، أو حتى استقالته تحت ضغط المعارضة.
كل خيار يحمل مخاطر كبيرة.
#فرنسا
6 - حزب “التجمّع الوطني” اليميني المتطرف يطالب بحل البرلمان فورًا، فيما يسعى اليسار بقيادة جان لوك ميلانشون إلى إقالة ماكرون عبر مذكرة برلمانية. أما الخضر والاشتراكيون فيدفعون نحو تعيين رئيس وزراء من اليسار “منفتح على التسويات”.
7 - الأزمة السياسية تتزامن مع مأزق اقتصادي خطير: الدين العام يصل إلى 3400 مليار يورو (115.6٪ من الناتج)، تراجع مؤشر كاك-40، ارتفاع عوائد السندات وهبوط اليورو، كل ذلك يزيد الضغوط على النظام السياسي الفرنسي.
#فرنسا_2025
8 - أوروبا تراقب بقلق. المتحدث باسم الحكومة الألمانية: “استقرار فرنسا عامل مهم لأوروبا”. أي انزلاق سياسي في باريس ستكون له تداعيات مباشرة على التوازنات داخل الاتحاد الأوروبي.
9 - تكليف لوكورنو بمهمة “الفرصة الأخيرة” هو رهان ماكرون الأخير على بقاء النظام السياسي متماسكًا.فشل هذه المهمة قد يعني نهاية “الماكرونية” وبداية مرحلة سياسية جديدة عنوانها: الجمهورية الخامسة تحت الاختبار الأصعب.
#فرنسا #لوكورنو #ماكرون #حكماء_العالم
مجلس النقاش والموضوعات
يرجى تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق أو الرد.