محادثات أميركية ـ أوكرانية "مثمرة" في فلوريدا.. بين ضغوط الحرب وتعقيدات السلام
هالانديل بيتش ـ حكماء العالم
في لحظة مفصلية من الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات بين روسيا وأوكرانيا، شهدت ولاية فلوريدا الأميركية جولة محادثات وُصفت بـ"المثمرة" بين مسؤولين رفيعي المستوى من الجانبين الأميركي والأوكراني، وسط تصاعد غير مسبوق في الضغوط العسكرية على كييف وانقسام سياسي داخلي حاد، إضافة إلى تعقيدات دولية تُلقي بظلالها الثقيلة على أيّ مسار محتمل لإنهاء النزاع.
المحادثات التي انعقدت الأحد في مدينة هالانديل بيتش، مثّلت محاولة أميركية جديدة لوضع معالم خطة سياسية ودبلوماسية تهدف إلى إنهاء الحرب مع روسيا، أو على الأقل تجميدها ضمن ترتيبات مؤقتة، في وقت كثفت فيه موسكو ضرباتها الليلية على العاصمة كييف ومحيطها، مخلفةً قتلى وجرحى وانقطاعات واسعة في الكهرباء، ما عمّق من معاناة المدنيين.
أطراف التفاوض ورسائل ما وراء الكلمات
ترأس الوفد الأوكراني أمين مجلس الأمن القومي، رستم عمروف، بينما مثّل الجانب الأميركي ثلاثة من أبرز صناع القرار في إدارة الرئيس دونالد ترامب، وهم وزير الخارجية ماركو روبيو، والمبعوث الخاص ستيف وتيكوف، إضافة إلى جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي، والذي يعتبر أحد مهندسي الدبلوماسية الجديدة للإدارة الحالية.
في ختام جولة المحادثات، قال روبيو إن الاجتماع كان "مثمراً للغاية" واستند إلى ما تحقق في لقاءات سابقة عُقدت في جنيف وما جرى خلال الأسبوع الماضي، لكنه شدد على أن "المزيد من العمل لا يزال مطلوباً".
في المقابل، وصف عمروف المفاوضات بأنها كانت "ناجحة"، موضحاً أن التركيز انصبّ على مستقبل أوكرانيا، وضمان أمنها وسيادتها ومنع تكرار أي عدوان مستقبلي عليها، إضافة إلى ملف إعادة الإعمار بعد الدمار الواسع الذي لحق بالبنية التحتية.
هذه التصريحات الإيجابية لم تُخفِ حقيقة أن المباحثات تجري في أجواء شديدة التعقيد. فمصادر قريبة من الوفد الأوكراني أكدت لوكالة فرانس برس أن النقاشات "ليست سهلة"، خصوصاً في ما يتعلّق بملف الأراضي والسيادة، إلا أنها اعتُبرت بنّاءة، مع وجود رغبة مشتركة في التوصل إلى صيغة يمكن تقديمها لاحقاً إلى موسكو كأساس لمفاوضات أوسع.
وبحسب مصدر مطّلع على فحوى المشاورات، فإن الجانب الأميركي يسعى بشكل حثيث إلى “حسم النقاط النهائية” ليتسنى له الانتقال إلى المحطة التالية، أي فتح خط تفاوض مباشر مع روسيا، مؤكداً أن واشنطن ترى نفسها "وسيطاً" أكثر من كونها طرفاً داعماً لكييف كما في الإدارات السابقة.
مخاوف أوكرانية من "تسوية على حساب الأراضي"
أكثر النقاط حساسية في المحادثات تمثلت في ملف الأراضي التي تحتلها روسيا. فالنسخة الأولى من المقترح الأميركي، والمكوّنة من 28 نقطة، نصّت على انسحاب القوات الأوكرانية من منطقة دونيتسك، وعلى اعتراف أميركي بحكم الأمر الواقع بسيادة روسيا على مناطق دونيتسك ولوغانسك والقرم. وقد صِيغت تلك المسودة دون أي مشاورات مع الحلفاء الأوروبيين، ما أثار موجة من القلق والانتقادات في كل من كييف والعواصم الأوروبية.
ورغم إدخال تعديلات لاحقة على الخطة، إلا أن ملامحها النهائية لا تزال غير واضحة، ما يثير مخاوف لدى الأوكرانيين من أن يتحول "السلام" المرتقب إلى تسوية تُفرض عليهم على حساب سيادتهم ووحدة أراضيهم.
في هذا السياق، أعلنت الرئاسة الفرنسية أن الرئيس إيمانويل ماكرون سيستقبل نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في باريس، في خطوة تعكس سعي أوروبا للحصول على دور أكبر في أي اتفاق سلام محتمل، وعدم ترك الملف حكراً على واشنطن وموسكو.
واقع ميداني ملتهب ورسائل بالقوة
في موازاة المسار السياسي، استمر التصعيد العسكري. فقد أعلنت السلطات الأوكرانية سقوط قتلى وجرحى جراء هجوم روسي جديد بطائرات مسيّرة على منطقة فيشغورود قرب كييف. وأكد الحاكم الإقليمي مقتل شخص وإصابة أحد عشر آخرين، بينهم طفل، في واحدة من أعنف الليالي التي شهدتها العاصمة مؤخراً.
وفيما تنفي موسكو استهداف المدنيين، مؤكدة أن ضرباتها تركز على منشآت الطاقة والبنى التحتية الداعمة للصناعات العسكرية الأوكرانية، تصرّ كييف على أن هذه الهجمات تهدف إلى إنهاك السكان وكسر إرادتهم، خصوصاً مع دخول فصل الشتاء.
وفي تطور بالغ الخطورة، توقفت العمليات في واحد من أكبر موانئ تصدير النفط الروسية بعد تعرضه لهجوم بزوارق مسيّرة، وهو الميناء الذي تديره شركة "كونسورتيوم خط أنابيب بحر قزوين"، ويشارك في ملكيته عملاقا النفط الأميركيان "إكسون موبيل" و"شيفرون". ووُصف الهجوم من قبل إدارة الميناء بأنه "عمل إرهابي".
كما أعلنت مصادر أمنية أوكرانية مسؤولية كييف عن استهداف ناقلتي نفط في البحر الأسود يُشتبه بانتمائهما إلى "أسطول الظل" الروسي المستخدم للالتفاف على العقوبات الغربية. وقد أدت الهجمات إلى انفجارات قبالة السواحل التركية، ما أثار قلقاً إقليمياً واسعاً بشأن أمن الممرات البحرية الحيوية.
يُذكر أن هذا الخط البحري يعد من أكبر خطوط نقل النفط في العالم، ويمر عبره نحو 1% من الإمدادات العالمية، الأمر الذي يجعل استهدافه تهديداً مباشراً لاستقرار أسواق الطاقة الدولية.
اضطراب داخلي في كييف
زاد المشهد تعقيداً إعلان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إقالة مدير مكتبه أندريه يرماك عقب تحقيقات مرتبطة بقضايا فساد، ما أحدث هزة في الدوائر السياسية في العاصمة. وتأتي هذه الخطوة في توقيت حساس، يواجه فيه زيلينسكي ضغوطاً متزايدة من حلفائه وشعبه، في ظل استنزاف طويل للحرب.
هل اقترب موعد التسوية؟
رغم وصف المحادثات بـ"المثمرة"، إلا أن الطريق نحو إنهاء الحرب ما يزال محفوفاً بالعقبات. فالتباعد في المواقف الأساسية حول الأراضي والسيادة والضمانات الأمنية، إضافة إلى تباين أولويات الأطراف الدولية، يجعل أي اتفاق محتمل قابلاً للانهيار في أي لحظة، ما لم يحظَ بإجماع دولي ودعم شعبي داخل أوكرانيا نفسها.
ومع ذلك، فإن مجرد استمرار المحادثات على هذا المستوى يعكس إدراكاً متبادلاً بأن الحسم العسكري الكامل بات بعيد المنال للطرفين، وأن الضغوط الاقتصادية والإنسانية قد تفرض في نهاية المطاف معادلة سياسية جديدة، مهما كانت مؤلمة.
تبقى الأيام المقبلة، وما ستسفر عنه الاتصالات المرتقبة مع موسكو وباريس، عاملاً حاسماً في تحديد ما إذا كانت هذه الجولة “المثمرة” ستكون فعلاً بداية لنهاية أطول الحروب الأوروبية في القرن الحادي والعشرين، أم مجرد محطة أخرى في طريق نزاع مفتوح على المجهول.
تغريدات
1 ـ عقد مفاوضون أوكرانيون في فلوريدا الأحد محادثات "مثمرة" مع الولايات المتحدة بشأن خطة واشنطن لإنهاء الحرب مع روسيا، وسط تصاعد الضغوط العسكرية والسياسية على كييف.
2 ـ المحادثات جرت بينما كثّفت موسكو ضرباتها الليلية على العاصمة الأوكرانية ومحيطها، في وقت شهدت فيه كييف هزة سياسية بعد إقالة الرئيس زيلينسكي لمدير مكتبه أندريه يرماك إثر تحقيق فساد.
3 ـ ترأس الوفد الأوكراني أمين مجلس الأمن القومي رستم عمروف، في حين مثّل الجانب الأميركي وزير الخارجية ماركو روبيو والمبعوث ستيف وتيكوف وصهر الرئيس جاريد كوشنر.
4 ـ قال روبيو في ختام الاجتماع: "عقدنا جلسة مثمرة جدًا، لكن لا يزال هناك مزيد من العمل"، بينما وصف عمروف المفاوضات بأنها كانت "مثمرة وناجحة"، مؤكداً التركيز على مستقبل أوكرانيا وأمنها.
5 ـ مصادر أوكرانية أكدت أن المباحثات ليست سهلة بسبب حساسية الملفات، خاصة الأراضي، لكنها بنّاءة والجميع معني بالتوصل إلى صيغة عملية لمزيد من المفاوضات الأميركية–الروسية.
6 ـ النسخة الأولى من خطة واشنطن تضمنت 28 نقطة، منها انسحاب القوات الأوكرانية من دونيتسك واعتراف أميركي بحكم الأمر الواقع بمناطق دونيتسك ولوغانسك والقرم كروسية، قبل تعديلها بعد انتقادات كييف وأوروبا.
7 ـ على صعيد العمليات العسكرية، استمرت روسيا في هجماتها الليلية، ما أسفر عن قتلى وجرحى وانقطاع الكهرباء عن مئات الآلاف، بينما تصر كييف على أن الهجمات تهدف لإنهاك المدنيين.
8 ـ وقبل مغادرة الوفد، تعرض أحد أكبر موانئ النفط الروسية لهجوم بزوارق مسيّرة، فيما أعلنت أوكرانيا مسؤوليتها عن استهداف ناقلتي نفط في البحر الأسود ضمن أسطول روسي لتجاوز العقوبات.
9 ـ الهجمات على خطوط النفط تؤثر على أسواق الطاقة العالمية، إذ يدير خط أنابيب بحر قزوين نحو 1% من الإمدادات النفطية العالمية، ويعتبر من أكبر خطوط النقل في العالم.
10 ـ رغم التقدم في المحادثات، الطريق نحو إنهاء الحرب ما يزال محفوفاً بالعقبات، مع تعقيد الوضع السياسي والضغوط العسكرية والاقتصادية، فيما ستحدد الجولة المقبلة مع موسكو وباريس مستقبل التسوية المحتملة.
#أوكرانيا #روسيا #الحرب #واشنطن #فلوريدا
مجلس النقاش والموضوعات
يرجى تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق أو الرد.