قمة الدوحة.. بين قوة الرسالة وضعف الفعل
المحامي الدكتور مبارك المطوع - رئيس منصة حكماء العالم
ليس من الهين أن تستفيق أمة جُرّبت في صبرها وأُنهكت في جراحها، فتلتئم على كلمة سواء. وقمة الدوحة العربية الإسلامية الطارئة، المنعقدة اليوم ردًّا على العدوان الغادر الذي ضرب قلب العاصمة القطرية، تحمل في مجرد انعقادها رسالة كبرى إلى إسرائيل ومن يقف خلفها: أن الأمة لم تمت، وأن السيادة العربية ليست مستباحة بالصمت، وأن الاعتداء على دولة وسيطة في النزاع ليس حدثًا عابرًا يمكن أن يُطوى.
إن اجتماع هذا العدد من زعماء العرب والمسلمين في قطر، بعد ساعات من قصف إسرائيلي استهدف قادة فلسطينيين وأرضًا عربية آمنة، هو بحد ذاته إنجاز سياسي ورسالة رمزية قوية. لكنه – في جوهره – لا يكفي. فالتاريخ الطويل من البيانات والخطب والمواقف يعلمنا أن الشجب والإدانة، مهما علت نبرتهما، لا يوقفان حرب الإبادة المستمرة على الشعب الفلسطيني، ولا يحولان دون تدفق قوافل النازحين، ولا يمسحان دموع الجوعى ولا يوارون جثامين الموتى.
إن الحرب على غزة بلغت ذروة وحشيتها، والمأساة الفلسطينية تتدحرج أمام أعيننا من كارثة إلى أخرى. وهذا يعني أن الخطب وحدها باتت عاجزة، وأن القادم قد يكون أدهى وأقسى إذا ظل الفعل مؤجلاً.
ما بعد الرسالة: الحاجة إلى الفعل
القمة في الدوحة تُرسل إشارات بالغة الدلالة: حضور قادة أهم الدول العربية والإسلامية مؤشر على أن الأمة، رغم خلافاتها وانقساماتها، ما زالت واعية ومدركة لحجم الأخطار التي تتهددها. لكن مرة أخرى، نحن في حاجة ماسة إلى الفعل أكثر من القول. والفعل هنا ليس معادلات نظرية ولا شعارات معلقة في الهواء؛ الفعل يعني إطعام الجائعين، إنقاذ الجرحى، مداواة المرضى، وقف الإبادة، وملاحقة المجرمين المسؤولين عن جرائم الحرب والإبادة أمام المحاكم الدولية. من دون ذلك، ستظل بلادنا مستباحة، وسيبقى أمننا القومي في مهب الريح.
رمزية الحضور.. وصوت الشعوب
يحمل انعقاد القمة في الدوحة رمزية مضاعفة: فهي أول عاصمة عربية تتعرض لغارة إسرائيلية مباشرة، وهي أيضًا أرض الوساطة التي طالما فتحت أبوابها للحوار. وحضور قادة مؤثرين مثل الرئيس التركي ورئيس إيران، يعكس إدراكًا إقليميًا بأن الصراع تجاوز فلسطين إلى مستقبل المنطقة بأسرها.
غير أن الرمزية الأعمق تتجسد في مشاركة الرئيس أحمد الشرع، القادم من قلب الثورة السورية الجريحة، ليجلس إلى جانب رؤساء النظام العربي الرسمي. إن وجوده في هذه اللحظة المفصلية، هو تذكير بأن إرادة الشعوب لا تُقهر، وأن الدم العربي واحد في الشام وغزة والدوحة.
نحو قطيعة مع العجز
القمم لا تُقاس ببلاغة بياناتها الختامية، بل بقدرتها على صناعة أثر حقيقي. وإذا اكتفت قمة الدوحة بالرسالة الرمزية، فستكون مجرد حلقة جديدة في سلسلة من الاجتماعات التي تُبهجنا لساعات وتخذلنا لسنوات. أما إذا تحولت الرسالة إلى برنامج عمل حقيقي: فتح المعابر، ضمان تدفق المساعدات، حماية المدنيين، والتحرك القضائي لمحاسبة إسرائيل، فإنها ستكون قد دشنت بداية جديدة في مسار العلاقات العربية–الإسلامية مع الاحتلال.
إن قمة الدوحة فرصة، وربما آخر الفرص، لإثبات أن الأمة ما زالت قادرة على الفعل، لا على الشجب وحده. وما لم يتحول الغضب إلى عمل، فإن تاريخنا سيظل يعيد نفسه، وستظل دماء الفلسطينيين، ومعها سيادة دولنا، وقودًا لصمت العالم وخذلان القريب والبعيد.
تغريدات
1 - قمة
#الدوحة_الطارئة ليست حدثًا بروتوكوليًا عابرًا. مجرد انعقادها بعد العدوان الإسرائيلي على العاصمة القطرية رسالة كبرى: السيادة العربية ليست مستباحة بالصمت، والأمة لم تمت.
2 - اجتماع هذا العدد من قادة العرب والمسلمين في الدوحة إنجاز ورسالة بحد ذاته.
لكنه لا يكفي. فالشجب والإدانة، مهما علت نبرتهما، لا توقف حرب الإبادة في غزة، ولا تُطعم جائعًا ولا تداوي جريحًا.
3 - الفعل الآن أهم من القول: فتح المعابر, تدفق المساعدات, إنقاذ الجرحى والمرضى, وقف الإبادة, محاكمة المجرمين في المحاكم الدولية. من دون ذلك يبقى أمننا القومي في خطر.
4 - قمة الدوحة تحمل رمزية خاصة:
أول عاصمة عربية تُقصف مباشرة، وأرض الوساطة التي طالما احتضنت الحوار.
كما أن حضور تركيا وإيران يكشف إدراكًا إقليميًا بأن الصراع لم يعد فلسطينيًا فقط، بل يهدد مستقبل المنطقة كلها.
5 - الرمزية الأعمق تجسدت في مشاركة الرئيس أحمد الشرع، القادم من قلب الثورة السورية الجريحة، ليجلس إلى جانب رؤساء النظام العربي الرسمي. رسالة بليغة: إرادة الشعوب لا تُقهر، والدم العربي واحد في الشام وغزة والدوحة.
6 - القمم لا تُقاس ببلاغة بياناتها الختامية، بل بقدرتها على صناعة أثر حقيقي. فإما أن تتحول رسالة الدوحة إلى برنامج عمل ملموس، أو تُضاف كسطر جديد في تاريخ الخطابات التي تبهجنا لساعات وتخذلنا لسنوات.
7 - قمة الدوحة فرصة.. وربما آخر الفرص.
إما أن تثبت أن الأمة قادرة على الفعل، أو تبقى مجرد أصوات عالية في صمت مدوٍّ.
#قمة_الدوحة #فلسطين #غزة
مجلس النقاش والموضوعات
يرجى تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق أو الرد.